تعمل تركيا على أكثر من مسار في ريف حلب الشمالي، حيث تزايدت مشاريعها في الآونة الأخيرة لتثبيت نفوذها أكثر تمهيدا لأي تفاوض مع الحكومة السورية بضغوطات روسية، بدءاً من الموارد الاقتصادية ووصولًا إلى الأمور المدنية التي تتعلق بأحوال الناس وملفاتهم كالبطاقات الشخصية وتسجيل المواليد الجدد وما يرتبط بذلك من معاملات قضائية.

القصر العدلي في مدينة الراعي كان آخر المشاريع التي تم العمل عليها و”أهمها”، كونه تطور بارز في المنطقة، والتي افتقدته في أثناء سيطرة النظام السوري سابقاً، فالمعاملات القضائية والدعاوى كان الأهالي مجبرين في السابق على تسييرها في مدينة حلب.

افتتح القصر والذي حمل إلى جانب اسمه العربي اسم “ADALET SARAYI” باللغة التركية، في 19 من أيلول الحالي، بإشراف وحضور والي كلس محمد تكين أرسلان ضمن احتفالية كبيرة حضرها أيضاً مسؤولون أتراك بينهم نائب والي كلس، فهمي سنان نيازي والنائب العام الأول في كلس القاضي “السيد تنر”.

وبحسب مدير العلاقات العامة في المجلس المحلي لمدينة الراعي، علاء حمد، سيبدأ العمل في القصر العدلي، الأحد 23 من أيلول، وذلك في محكمتي الاستئناف والجنايات، على أنّ يتم العمل في محكمة النقض، تشرين الأول المقبل.

لم تكن الإجراءات التركية فيما يتعلق بالقضاء بريف حلب جديدة، بل سبقتها عدة تحركات كانت كفيلة بتأسيس الوضع الحالي، فجميع المحاكم العاملة في المنطقة كانت وزارة العدل التركية قد عينت فيها قضاة سوريين منشقين عن النظام السوري، بموجب هيكلية بدأت فيها منذ آذار العام الماضي.

تضم منطقة شمال حلب عدداً من المدن والبلدات الرئيسية، التي تخضع جميعها لسيطرة فصائل “الجيش الحر” المنضوية في غرفة عمليات “درع الفرات”، وأبرزها: مدن جرابلس، واعزاز، ومارع، وقرى وبلدات الراعي، ودابق، وصوران، الباب.
وعقب السيطرة على المنطقة الشمالية من حلب، أُنشئت عدة محاكم متفرقة تولّت الفصل في الخلافات والنزاعات القائمة بين الناس والفصائل، وكُلفت بالالتزام بتطبيق “الأحكام” بين الأطراف، وكان آخرها محكمة صوران.

مركزية لـ “درع الفرات” و”غصن الزيتون”
يقول علاء حمد إنّ القصر العدلي في الراعي سيكون محكمة مركزية لجميع مدن وبلدات منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، ومرجعاً استئنافياً من الناحية الأولى وركيزة لتوحيد الاجتهادات القضائية عن طريق محكمة النقض والتي ستتشكل، في تشرين الأول المقبل، ويتم تعيين نائب عام تمييزي لكل المنطقة.

اختيار مدينة الراعي لمقر القصر جاء اعتماداً على موقعها الجغرافي، كونها تتوسط جميع المناطق، وتبعد عن مدينة الباب 25 كيلو متراً واعزاز 45 كيلومتراً، عدا أنّها تتميز بالأمان أفضل من باقي المناطق.

ويضيف حمد أنّ المحكمة المركزية كانت مطلباً سابقاً للحقوقيين والقضاة في المنطقة، كما أنّها ضرورة أساسية، نظراً لوجود الكثير من الدعاوى العالقة منذ أكثر من سبعة أشهر، وهي بحاجة للنظر من قبل محكمة النقض.

ويرى حمد أنّ الجسم القضائي قد اكتمل في ريف حلب الشمالي، أي لا يحتاج إلى مرجعيات قضائية من خارج حدود “درع الفرات”، معتبراً أنّ القصر العدلي في الراعي هو محكمة قضائية متكاملة الأركان، وغدت مناطق “درع الفرات” “دولة” تتضمن محاكم من الدرجة الأولى والثانية والنقض والاسئناف والجنايات.

خلاف قضائي سابق تحله تركيا
كانت تركيا قد دخلت، مطلع العام الحالي، كطرف مراقب لاعتماد القانون الذي سيتم العمل عليه في محاكم مدن الريف الشمالي لحلب، عقب خلاف حول اعتماد القانون السوري في العمل القضائي في المنطقة.

وتوصل القضاة العاملون في منطقة “درع الفرات” حينها إلى الاتفاق على بنود تقضي باعتماد القوانين السورية الصادرة قبل دستور 1950 وما قبله، إلى جانب العمل على تعطيل الأمور القانونية المخالفة للفقه الإسلامي، ومبادئ وأهداف الثورة السورية أينما وجدت في النصوص.

ونصت البنود على تفويض محكمة الاستئناف للاستعانة بالشرعيين والقانونيين لتحديد البنود المخالفة لمبادئ الفقه الإسلامي، وحضر إصدار البيان المذكور آنذاك لجنة وزارية من وزارة العدل التركية كطرف مراقب لتطبيق العمل على القانون المعلن عنه.

.