بعد ستة أشهر من اللاحتلال التركي لمدينة عفرين لاتزال معاناة المواطنيين مستمرة من مختلف أشكال الانتهاكات من الاعتقالات بشكل عشوائي، حيث تجاوز عدد المعتقلين لأكثر من 3000 شخص بينهم نساء وأطفال، تم سوقهم إلى سجون مجهولة، أعداد السجون في تزايد، حيث وصل الأمر إلى إنشاء سجن لكل قرية أو قريتين، ولا يسمح لأهالي المساجين بزيارتهم، كما يتلقى المعتقلون معاملة سيئة ويتعرضون للتعذيب، ما أدى لمقتل عدد منهم تحت التعذيب.

أحمد شفيع بلال من مواليد 1994 ناشط إعلامي يروي قصة اعتقاله لتلفزيون “سوريا اليوم”: في اليوم الأول من سيطرة فصائل غصن الزيتون على مدينة عفرين أتى إلي قيادي في لواء السلطان مراد يدعى “أبو مريم الحسكاوي” واصطحبني إلى إحدى مقراتهم في ناحية شران ليقوم بحمايته، وخلال بقائه هناك يروي لنا إحدى قصص التعذيب التي سمعها حول شخص من الديانة اليزيدية كان يتعرض للتعذيب الشديد كل يوم، وقد سمع أحد السجانين وهو يقول للايزيدي “سأجعله يحفظ القرآن حتى أكسب بعض الثواب”.
ويكمل بلال أنّه وردته مكالمة من أحد الأشخاص طلب منه مغادرة المقر والالتجاء إلى لواء السلطان محمد الفاتح، ليتم اعتقاله هناك وأخذه إلى سجن في قرية بعدنلي التابعة لناحية معبطلي، وبقي “بلال” هناك ثلاثة أيام.

وذكر بلال أنّه يوجد في هذا السجن معتقلون من كافة الأعمار من عمر 16 حتى عمر 80, وبعد ذلك بأيام تم نقله إلى سجن الراعي حيث بقي هناك شهراً وسبعة أيام. روى بلال بعض أساليب التعذيب بحق المعتقلين في السجون التي مر بها، ففي سجن بعدنلي كان السجانون يضعون منشفة في فم المعتقل ويغطون راسه بكيس ومن ثم يقومون بالدعس على صدره ويرشون الماء عليه، وفي سجن الراعي أيضاً تحدّث عن تعذيب أحد أصدقائه هناك حيث قاموا بربط عينيه ووضع سلاح على قدمه وأطلقوا النار من سلاح آخر عند أذنه ليعتقد المعتقل أنه قد تم إطلاق النار عليه، وينهي بلال قصته بالحديث عن الحالات الناتجة عن التعذيب الجسدي في السجون بأنّهم كانوا يتعرضون للنزيف والالتهابات وحالات أخرى بسبب قلة العناية وعدم وجود أطباء لإسعاف هذه الحالات.

مصطفى شيخو أخ لأحد المعتقلين الذي قتل تحت التعذيب وهو أحمد شيخو, من مواليد 1968 من ناحية شيخ الحديد متزوج ولديه ثلاثة أطفال ومتخرج من كلية الآداب قسم الجغرافيا، وكان يشغل مؤخراً منصب نائب رئيس المجلس المحلي المشكل من قبل الحكومة التركية، ويروي شيخو إنّ سبب اعتقال أخيه أحمد هو وقوفه ضد الانتهاكات التي كانت تحصل في ناحية شيخ الحديد من قبل لواء سليمان الشاه بقيادة “محمد جاسم أبو عمشة” وآخرها في يوم 7-6-2018 كان بسبب خلاف نشبت بين عائلة شيخو وأحد العناصر من “لواء العمشات” وعلى إثرها تم ألقاء القبض على أكثر من 50 شخصاً من العائلة من بينهم نساء.

وبعد الاعتداء عليهم بالضرب تم الإفراج عن الجميع ماعدا 4 أشخاص، وكان أحمد شيخو من بينهم وظلوا تحت التعذيب لتاريخ 12-6-2018، ليقوموا في نفس اليوم بنقله إلى المنزل في الساعة 12 ليلاً بحالة مزرية وعليه آثار التعذيب، حيث كان يعاني من كسور في أضلعه وغرزة سكين في كبده ما أدى إلى نزيف شديد بالإضافة الى آثار كدمات على رأسه ووجهه وتورم شديد في الوجه وفارق الحياة بعد 7 ساعات من إطلاق سراحه.

ويضيف مصطفى، أثناء تشييع الجنازة تم محاصرة المنزل ومُنع التصوير، وفي خيمة العزاء أجبروا عمه على تسجيل مقطع فيديو أفاد فيه بأن أحمد قد توفي نتيجة حالة ربو، رغم أن أحمد لم يكن يعاني من أي نوبات ربو.

وأنهى مصطفى حديثه بأنّه قام بالتواصل مع الكثير من المنظمات الإنسانية لتسليط الضوء على ما حصل مع أخيه أحمد، ولكن ذلك كان بدون جدوى.
وهنالك أيضاً العديد من الحالات التي قُتل فيها أشخاص تحت التعذيب ومنهم رجب شكري رشيد من قرية درويش التابعة لناحية راجو، بالإضافة إلى حسين عبد الرحمن صاغر ووليد جميل صوراني من قرية جقلي جومي التابعة لناحية جنديرس وذلك بعد اعتقالهم من قبل تجمع أحرار الشرقية.

وتعاني المنطقة أيضاً من عمليات الخطف التي تقوم بها مجموعات مسلحة في مدينة عفرين مقابل فدية كبيرة من عائلاتهم، ومن ضمن هذه الحالات قامت مجموعة مسلحة في العشرين من آب الماضي بخطف الشابة عائشة عبد الناصر البالغة من العمر 17 عاما من عشيرة العميرات في الزييدية في مركز مدينة عفرين، وطالب الخاطفون من عائلتها مبلغاً قدره 7 ملايين ليرة سورية مقابل إطلاق سراحها، وعندما رفضت عائلة الفتاة دفع المبلغ قاموا بابتزاز عائلتها عن طريق صور مستفزّة إلى أن رضخوا ودفعوا الفدية، ليتم إطلاق سراحها بعد 5 أيام.

كما قامت مجموعة مسلحة قبل قرابة الشهرين بخطف المدني غسان حسن عمر فوزي البالغ من العمر 45 سنة من منزله في قرية بعدنلي في ناحية معبطلي وذلك في الساعة الواحدة من منتصف الليل، بعد اقتحام منزله وسرقة 800 دولار و100 ألف ليرة سورية وبعض المجوهرات, وقال أحد أفراد عائلته إنّ الخاطفون اتصلوا بهم عدة مرات طالبين فدية مالية قدرها 1000 دولار في المرة الأولى وعند دفع المبلغ لم يقوموا بإطلاق سراحه، وبتاريخ 1 أيلول قاموا بنشر مقطع فيديو له يهددون عائلته بذبحه إن لم يقوموا بدفع مبلغ 10 مليون ليرة سوري وإلى الآن مصيره مجهول.

عمليات سرقة ونهب ومصادرة ممتلكات للمدنيين أيضا لم تتوقف، حيث تمت سرقة منازل المدنيين وإفراغها من كامل محتواها وسُرقت السيارات والآلات الزراعية وكابلات الكهرباء في الشوارع التي كانت تنير مدينة عفرين وريفها، وطالت حالات النهب المواشي والمواد الغذائية التي لم يجدها أصحابها لدى عودتهم إلى منازلهم.

ووقعت الكثير من حالات سرقة للمعامل والمحلات والمستودعات بشكل كامل ومنها ما قام به لواء السلطان مراد بإفراغ مستودعات القمح وسرقة مستودع لقطع تبديل السيارات العائد ملكيتها لشخص يدعى أبو خليل في حي عفرين القديمة ويقدر قيمة المسروقات بـ 60 مليون ليرة سورية، كما قام فصيل آخر بسرقة معمل التنك الواقع على طريق راجو قرب قرية ستير وتم نقل معدات المعمل إلى اعزاز.

ومن بين الانتهاكات مصادرة بيوت ومحال لمدنيين وطردهم منها تحت تهديد السلاح، ففي ناحية شران قامت إحدى الفصائل بطرد المدني حسن تورك إبراهيم وزوجته نائلة نعسو من منزلهما بقوة السلاح بحجة أنّ بيتهم في موقع استراتيجي وهم بحاجة إليه، وأيضا في قرية كوكانا في ناحية معبطلي قامت إحدى الفصائل بمصادرة منزل المدني جميل عمر وطرده منه، وقام تجمع أحرار الشرقية بالاستيلاء على عشرات المنازل في شارع الفيلات ومحيط مشفى ديرسم في مركز مدينة عفرين، وكذلك استولوا على عشرات المحال التجارية في ناحية راجو.
وأفاد أحد أهالي مدينة عفرين وهو “أبو آزاد” أنّه خلال الشهرين الماضيين شُوهد خروج عشرات العائلات من سكان عفرين وذلك نتيجة مصادرة منازلهم والانتهاكات التي يتعرضون لها على يد الفصائل العسكرية في مدينة عفرين وريفها، ويقدر عدد البيوت والمحال التجارية المصادرة من قبل الفصائل بالآلاف.
ولم تتوقف الانتهاكات بل امتدت إلى حرق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات ومنها عند بحيرة ميدانكي، حيث تم حرق الجزيرة الصغيرة الواقعة في منتصف بحيرة ميدانكي عدة مرات وأيضا الكثير من الأراضي الزراعية في ناحية بلبل وفي نواحي جنديرس وشران وراجو ومعبطلي وجبل هاوار وكلي تيران، وبحسب أهالي المنطقة فإنّ الفصائل تقوم بالاستفادة من الفحم الناتج من هذه الحرائق المفتعلة.