تستخدم الدول سياسة التوطين لنقل جزء من السكان قسراً إلى مناطق جديدة، سواء كان ذلك الجزء مجموعات كبيرة أم صغيرة. والسبب الرئيسي لهذه الهجرة الغير طوعية هو الأهداف السياسية للدول.
وتستغل الدول الفرص التي تخلقها الحروب والاضطرابات الداخلية لإعادة رسم ديموغرافية البلدان. ويمكن للتغير الديموغرافي أن يحدث أيضاً نتيجة لكوارث طبيعية؛ لكن، في بعض الأحيان، تصبح سياسة التوطين سياسة هجرة قسرية.
واحتضنت الدولة العثمانية سياسة التوطين منذ نشأتها؛ وطبقت الحكومات العثمانية سياسة التوطين، سواءً كانت تتوسع أو تخسر أراضٍ، لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية، وهي: تحقيق توازن عرقي وديني وطائفي في المناطق القائمة، وزيادة إسهامات السكان في الاقتصاد، وإبعاد جماعات بعينها لمنع تلك الجماعات من أن تشكل خطراً على الدولة. وقد نالت جماعات من جميع الأديان والطوائف نصيبها من هذه السياسات، بما في ذلك التُرك (التركمان والقبائل التركية). لكن خلال السنوات الأخيرة من حكم الدولة العثمانية، وفي كنَف الجمهورية التركية التي تأسست عام 1923، كان الأكراد أكثر الجماعات تأثراً بسياسات التوطين.
كانت أول مرة تستهدف فيها سياسات التوطين الأكرادَ في بداية القرن التاسع عشر، وكان ذلك في ظل حكم السلطان محمود الثاني. ولتحقيق مركزية الدولة، مُحيت الإمارات الكردية وأُخرجت بعض القبائل من المناطق الشرقية من الدولة العثمانية ونُقلت إلى المناطق الغربية.
وبعد تلك الحقبة، أصبح إجبار الأكراد على الهجرة سياسة دولة. وبعد أن وصلت جمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة في بداية القرن العشرين، أرسلت القيادة كلاً من الأكراد الفارين من الغزو الروسي والقبائل الكردية المتمردة إلى المناطق الغربية. وكانت الجمعية تنظر إلى الأكراد على أنّهم تهديد لوحدة الدولة، ومن ثم اختارت أن تسلك هذا السبيل في التعامل معهم. وتوضح الخريطة التالية أنماط هجرة القبائل الكردية في تلك الفترة.

أمر مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية أيضاً الأكرادَ بالهجرة إلى المناطق الغربية. وبعد ثورة الشيخ سعيد التي ثارت فيها القبائل الكردية في شرق الأناضول ضد الدولة التركية عام 1925، بدأت الجمهورية المؤسسة حديثا في إجبار الأكراد على الهجرة. ويقول المؤرخ ميتي تونكاي إن أبناء العرقية التركية من المهاجرين القادمين من خارج تركيا جرى توطينهم في المناطق التي أُجبر الأكراد على الرحيل منها. على سبيل المثال، جرى توطين 14 ألف مهاجر روماني جاءوا إلى تركيا بعد عام 1932 في المدينتين الكرديتين التاريخيتين الإزغ (معمورة العزيز) وديار بكر.
كانت الحكومة تريد أن تحدث تغييراً في المناطق الشرقية من خلال القانون 1097، وهو “القانون الخاص بالأشخاص الذين سيتم نقلهم من الشرق إلى الغرب”. ومن بين الأمثلة على الأثر الذي أحدثه هذا القانون تفريق قبيلة هاليكانلي، حيث أُرسلت 154 أسرة إلى أدرنة، و100 أسرة إلى تكيرداغ، و26 أسرة إلى قرقلر ايلي، و125 أسرة إلى أيدين، وجميعها مناطق في غرب تركيا.
وبعد وقوع المزيد من الانتفاضات في مدينة أغري عام 1930 ودرسيم في عام 1937، جرى تنفيذ ترتيبات إضافية من أجل مواصلة الهجرة القسرية باتجاه الغرب.
وبالإضافة إلى تبني المخاوف ذاتها التي تبنتها جمعية الاتحاد والترقي، رأى أتاتورك في سياسة إعادة التوطين أداة لاستيعاب الأكراد. ونظراً لأنّه أسس دولة على مبادئ القومية التركية، فقد كان يحاول تتريك جمع العناصر التي تعيش داخل حدود البلاد. وبالنسبة لجمعية الاتحاد والترقي وأتاتورك، كانت لمخاوف كليهما بشأن وحدة الأراضي أثر في تشكيل سياسة إعادة التوطين.
وكما هو حال الحروب دائماً، أثارت الحرب الأهلية السورية موجة هجرة كبيرة واضطرت الملايين إلى النزوح. وواجهت تركيا موجة هجرة، وكان عليها أن تضع سياسة محددة للتوطين. ووفقا لتقرير أعدته إدارة الطوارئ والكوارث (أفاد) بوزارة الداخلية بعنوان “مسح ميداني للمشهد الديموغرافي، والظروف المعيشية، والتوقعات المستقبلية للسوريين في تركيا عام 2017،” فإنّ ثلاثة ملايين و20 ألفاً و654 من مواطني سوريا هاجروا إلى تركيا. وبالنظر إلى الوقت الذي مر منذ أن أجريت الدراسة، يمكننا أن نستنتج أنّ هذا الرقم تجاوز الثلاثة ملايين بكثير.
ولا نعرف بشكل مفصل ما هي نوع سياسة التوطين التي أعدتها الدولة، أو بالأحرى الرئيس رجب طيب أردوغان، للسوريين. بيد أنّه يمكننا أن نجري تقييمات محددة استناداً إلى القائمة التالية التي أعدتها أفاد.
وقبل كل شيء، فإن السوريين الذين نُقلوا إلى مخيمات تركية جرى إرسالهم إلى مدن في وسط وجنوب شرق الأناضول تقع إلى الغرب من نهر الفرات مثل هاتاي وغازي عنتاب وأضنه وملطية وقهرمان مرعش وأديامان وعثمانية وكلس، وأخرى تقع إلى شرق الفرات مثل شانلي أورفه وماردين. ومن ثم فإن المدن التي تستضيف أكبر عدد من السوريين بعد اسطنبول هي شانلي أورفه وهاتاي وغازي عنتاب وأضنه ومرسين وكلس. ومن هذا المنظور، يمكننا أن نستنتج أنّ سياسة توطين السوريين تتماشى مع السياسة التركية تجاه سوريا. ويمكن تمييز هذه السياسة بأنّها “قطع لصلة الأكراد بالمتوسط”. (وأعرف أن هذه العبارة بها الكثير من الاسئلة، وأكتبها لغرض ما”.
الأمر الثاني هو أن التركيبة الديموغرافية للمدن الواقعة جنوب شرق البلاد مثل هاتاي وغازي عنتاب وكلس وشانلي أورفه حدث فيها تحول على حساب الأكراد. والسؤال هنا، ما هي المصالح السياسية التي تستفيد من التغييرات الديموغرافية في بعض المدن التركية؟ وهل الهدف هو إحداث انقلاب في توازن المكون الكردي في التركيبة السكانية بمدن بعينها؟ على سبيل المثال، لماذ لا يوجد تدخل في ديموغرافية مدن مثل وان وديار بكر وبدليس وبينكل وتونجلي وهكاري، والتي تقع أيضاً في الشرق والجنوب الشرقي؟ أنا لا أدعو هنا إلى تغيير التركيبة الديموغرافية لهذه المدن؛ لكن لو كان الأمر بيد جمعية الاتحاد والترقي وأتاتورك، لكانا استخدما خط ديار بكر-وان أيضاً. فلماذا إذاً يفضل أردوغان المدن المحيطة بالفرات؟
يقيم أغلب السوريين على طول خط أنابيب باكو-جيلان وخط الأنابيب الممتد بين العراق وتركيا. هل هذه مصادفة، أم إنها جزء من خطة أكبر؟ في وقت تتزايد فيه أهمية أمن طرق إمدادات الطاقة يومياً، اتساءل ما هو الغرض من تسكين السوريين على طول مسارات طرق إمدادات الطاقة.
الجميع يعرف أنّ أردوغان، بقدرته على تحويل الأزمات إلى فرص، لديه خطط كبرى للاجئين السوريين. لكن من الواضح أنّ سياسات التوطين التي يحاول أردوغان تطبيقها لا تتماشى مع السياسات التركية التقليدية. نتيجة لذلك، وحتى إذا كانت هذه السياسات تخدم مصالح أردوغان الشخصية، فإنّها ستخلق في نهاية المطاف مشاكل أكبر في المستقبل.

علي اغجاكولو/ احوال تركيا